أبي طالب المكي
367
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
أولياء الله عزّ وجلّ الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . فقيل : من هؤلاء يا رسول الله . قال : هم المتحابون في الله عزّ وجلّ . ورواه أبو هريرة فقال فيه : إنّ حول العرش منابر من نور ، عليها قوم لباسهم نور ووجوههم نور ، ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء . فقالوا : يا رسول الله حلَّهم لنا . فقال : هم المتحابون في الله عزّ وجلّ ، والمتجالسون في الله تعالى ، والمتزاورون في الله تعالى . وروينا في حديث عبادة بن الصامت ، يقول الله عزّ وجلّ : حقّت محبتي للمتحابين في ، والمتزاورين في والمتباذلين والمتصادقين في ، وكان ابن مسعود يقول في قوله عزّ وجلّ : * ( لَوْ أَنْفَقْتَ ما في الأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكِنَّ الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ) * [ الأنفال : 63 ] . قال : نزلت هذه الآية في المتحابين في الله عزّ وجلّ . وأبو بشر عن مجاهد قال : المتحابون في الله عزّ وجلّ إذا التقوا فكشر بعضهم إلى بعض ، تتحات عنهم الخطايا كما يتحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبعة يظلهم الله عزّ وجلّ في ظلّ عرشه ، يوم لا ظل إلَّا ظله ، منهم كذا ، واثنان تواخيا في الله عزّ وجلّ ، اجتمعا على ذلك وتفرّقا . وكان الفضيل بن عياض وغيره يقول : نظر الأخ إلى وجه أخيه على المودة والرحمة عبادة ، فلا تصح المحبة في الله عزّ وجلّ إلَّا بما شرط فيها من الرحمة في الاجتماع ، والخلطة عند الافتراق بظهور النصيحة ، واجتناب الغيبة ، وتمام الوفاء ، ووجود الأنس ، وفقد الجفاء ، وارتفاع الوحشة ، ووجد الانبساط ، وزوال الاحتشام . وكان الفضيل يقول : إذا وقعت الغيبة ، ارتفعت الأخوة وقال الجنيد : ما تواخى اثنان في الله عزّ وجلّ فاستوحش أحدهما من صاحبه واحتشم منه إلَّا لعلَّة في أحدهما . ومن ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما تحاب اثنان في الله عزّ وجلّ إلَّا كان أحبهما إلى الله عزّ وجلّ أشدهما حبّا لصاحبه . وفي خبر : كان أفضلهما وفي الخبر الآخر أحب الإخوان إلى الله عزّ وجلّ أرفقهما بصاحبه . وفي الخبر المشهور : لا يذوق العبد طعم الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلَّا الله . وقال ابن عباس في وصيته لمجاهد : ولا تذكر أخاك إذا تغيب عنك إلَّا بمثل ما تحب أن تذكر به إذا غبت ، وأعفه بما تحب أن تعفى به . وكان بعضهم يقول : ما ذكر أخي عندي في غيب إلَّا تمثلته جالسا ، فقلت فيه ما يحب أن يسمع في حضوره . وقال آخر : ما ذكر أخ لي في غيبة إلَّا تصورت نفسي في صورته ، فقلت فيه ما أحب أن يقال في ، فهذا حقيقة في صدق الإسلام ، لا يكون مسلما حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه . وقال بعض الأدباء : من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضون منه ظلمهم ، ومن اقتضى